سيد قطب

2065

في ظلال القرآن

« وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ ، وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً » . وإذا كان الاعتراض بأنه لم يأت بخارقة مادية ، فذلك ليس من شأنه إنما هو شأن اللّه : « وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ » . . وفق ما تقتضيه حكمته وعندما يشاء . وإذا كان هناك خلاف جزئي بين ما أنزل على الرسول وما عليه أهل الكتاب ، فإن لكل فترة كتابا ، وهذا هو الكتاب الأخير : « لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ . يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » . . فما انقضت حكمته يمحوه ، وما هو نافع يثبته . وعنده أصل الكتاب ، المتضمن لكل ما يثبته وما يمحوه . فعنه صدر الكتاب كله ، وهو المتصرف فيه ، حسبما تقتضي حكمته ، ولا راد لمشيئته ولا اعتراض . وسواء أخذهم اللّه في حياة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بشيء مما أوعدهم ، أو توفاه إليه قبل ذلك ، فإن هذا لا يغير من الأمر شيئا ، ولا يبدل من طبيعة الرسالة وطبيعة الألوهية : « وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ، فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ » . . وفي هذا التوجيه الحاسم ما فيه من بيان طبيعة الدعوة وطبيعة الدعاة . . إن الدعاة إلى اللّه ليس عليهم إلا أن يؤدوا تكاليف الدعوة في كل مراحلها ؛ وليس عليهم أن يبلغوا بها إلا ما يشاؤه اللّه . كما أنه ليس لهم أن يستعجلوا خطوات الحركة ، ولا أن يشعروا بالفشل والخيبة ، إذا رأوا قدر اللّه يبطئ بهم عن الغلب الظاهر والتمكين في الأرض ، إنهم دعاة وليسوا إلا دعاة . وإن يد اللّه القوية لبادية الآثار فيما حولهم ، فهي تأتي الأمم القوية الغنية - حين تبطر وتكفر وتفسد - فتنقص من قوتها وتنقص من ثرائها وتنقص من قدرها ؛ وتحصرها في رقعة من الأرض ضيقة بعد أن كانت ذات سلطان وذات امتداد ، وإذا حكم اللّه عليها بالانحسار فلا معقب لحكمه ، ولا بد له من النفاذ « 1 » : « أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ! وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ » . . وليسوا هم بأشد مكرا ولا تدبيرا ولا كيدا ممن كان قبلهم . فأخذهم اللّه وهو أحكم تدبيرا وأعظم كيدا : « وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً . يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ، وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ » . . ويختم السورة بحكاية إنكار الكفار للرسالة . وقد بدأها بإثبات الرسالة . فيلتقي البدء والختام . ويشهد اللّه مكتفيا بشهادته . وهو الذي عنده العلم المطلق بهذا الكتاب وبكل كتاب : « وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا : لَسْتَ مُرْسَلًا . قُلْ : كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ » « 2 » .

--> ( 1 ) هذا هو المعنى المتعين لهذا النص ، لا ما يخبط فيه دعاة « التفسير العلمي للقرآن » من دلالة هذه الآية على نقص أطراف الأرض عند القطبين وانبعاجها عند خط الاستواء ! إلى آخر هذا الهواء ! إن السياق القرآني يحدد مدلول العبارات فيه . فليتق اللّه من يخبطون في هذا المجال دون فقه وبصيرة بطبيعة هذا القرآن ! ( 2 ) تذكر بعض الروايات في التفسير المأثور أن المقصود بقوله تعالى : « وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ » شهادة من آمن من أهل الكتاب بأن هذا -